الناصرية اليوم | اقتطاع مساحات من الأهــوار للتنقيب عن النفـط!
A- A A+

اقتطاع مساحات من الأهــوار للتنقيب عن النفـط!

الشلب سرق مياهها … والتخطيط العمراني خصص أرضها للسكن؟!


 

الناصرية اليوم::

وُصِفت أنها جنة الله في الأرض لما تتمتع به من جمال وبيئة خلابة إذ تهاجر إليها أنواع عــدة من طيور العالم لأجل التكاثر. عاش بها منتجو الألبان والحليب، وصائدو الأسماك ممن كانوا يرفدون السوق العراقية بكل ما تحتاجها، إنها الأهوار العراقية منبع أول الحضارات الإنسانية في العالم حالها اليوم يُرثى له جفاف وهجرة ونزوح!
عن كل ذلك التقينا المهندس الاستشاري والخبير البيئي / منظمة أهوار العراق جاسم الأسدي ليحدثنا عنها.
* الأهوار تنكمش ثانية، الأمر الذي اضطر العديد من أهلها الذين عاشوا في تناغم مع البيئة لآلاف السنين، إلى هجرها من جديد، بعد هجرتهم الأولى حين جففها نظام البعث لأسباب ذلك.
– الأهوار طبيعيا تنكمش وتتمدد مع مواسم وفرة المياه وشحتها خلال السنة الواحدة وأيضاً عبر السنوات الرطبة والسنوات الجافة وما بينهما، ولذا نجد اختلافاً في الأرقام الجغرافية لمساحات الأهوار في الدراسات والأبحاث والكتب التي تناولت هذا الموضوع وتراوحت بين 8000 كم2 الى 15000 كم2، لكن ما أتفق عليه أن معدل مساحة أهوار بلاد الرافدين ما قبل تجفيفها بين 1992- 2003، تبلغ 9650 كم2 وتتوزع بواقع 2350 كم2 لهور الحويزة و3000 كم2 للأهوار الوسطى و3000 كم2 لهور الحمار وما تبقى لأهوار صغيرة متناثرة أخرى كـ(أبو زرك) الشمالي الغموكة…الخ.
هناك جملة أسباب منها قلة الإطلاقات المائية المستقبلية، اقتطاع مساحات منها لتنقيب واستخراج النفط، اقتطاع مساحات للزراعة وكذلك تحويل بعض المساحات ضمن التخطيط العمراني للمدن. عانت الأهوار جفافا حادا ما بين 2008-2009. وتكرر المشهد أكثر منذ نهاية آذار 2015 وما زال الوضع يزداد سوءاً وتعقيدا. وسبب الجفاف الحالي شاركت به عوامل عــدة يمكن إدراجها كما يأتي:
قلة الإيرادات المائية المطلقة من الجانب التركي / التغيرات المناخية وقلة الأمطار والثلوج/ سيطرة داعش على بعض المنشآت الهيدروليكية المهمة كسد طبقة في سوريا الذي يقع على عمود الفرات الرئيسي، وسدّتي الرمادي والفلوجة وهما سدتان تنظيميتان للمياه/ سوء إدارة وتوزيع استخدامات الموارد المائية في وسط وجنوب العراق، وكانت زراعة ” الشلب” في مناطق الفرات الأوسط القشة التي قصمت ظهر البعير! حيث تم زراعة 125000 دونم ، موسم مناخي جاف، يُفترض زراعة 3000 دونم فقط / تشغيل سـد حديثة خلال (12) شهرا الماضية لأسباب استثنائية أدى الى تفريغه من خزينه الى ما تحت 1 مليار م3.
كان بالإمكان تقليل مخاطر الجفاف حين ابتدأ منسوب الفرات في مدينة الجبايش بالانحدار تحت 1م عن مستوى سطح البحر نهاية آذار الماضي لكن وزارة الموارد المائية لم تحرك ساكناً حتى وصل الى مستويات قاتلة وهي 0.30 م عن مستوى سطح البحر. علماً أن أطلاقات المياه عبر سدة الهندية قد وصلت الى ما يزيد على 190 م3 / ثانية كانت حتى وقت قريب حصة محافظة ذي قار منها لا تتجاوز 20م3 / ثا والباقي مياه صرف صحي وبزل، كما أن ملوحة الفرات وصلت في مدينة الجبايش حداً لا يُطاق وهي بحدود 8000 جزء/ مليون، كذلك وصلت في جنوب هور الحمار عند نهاية البزل العملاق أكثر من 20000 جزء/ مليون.
* العراق أبرم اتفاقيات عدة مع دول الأنهار المجاورة التي تنبع منها تنص على تقاسم المياه وفق نسب معينة، لماذا لم يتم الاستعانة بهذه الاتفاقيات ؟
– على الصعيد الدولي ثمة نصوص تشريعية وأحكام معاهدات خاصة باستخدامات الأنهار غير الملاحية صدرت عن الأمم المتحدة وعبر بوابتين هما:
1- قواعد هلسنكي لاستخدام المياه والأنهار الدولية لعام 1966 لكن قرارات جمعية القانون الدولي المنظمة لقواعد هلسنكي وغيرها من القرارات الصادرة عن اللجان القانونية تعد مصادر قانونية لمحكمة العدل الدولية ولكنها ليست إلزامية.
2- اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية لعام 1997 وتعد من أهم الاتفاقيات الدولية في هذا المجال، تضمنت القواعد الأساسية التي يتم بمقتضاها تقاسم الموارد المائية للأنهار بوجه عام، وتتكون اتفاقية الإطار من (33) مادة تتمثل بمجموعة من المبادئ العامة الرئيسة والأحكام المتعلقة باستخدامات مياه الأنهار في غير أغراض الملاحة، منها الانتفاع والمشاركة المنصفة والمعقولة، الالتزام بـــعدم التسبب في ضرر جسيم، حماية النظم الايكولوجية وحفظها ومنع التلوث وتخفيفه ومكافحته، لكن ما يلاحظ أن كلاً من تركيا وإيران قد امتنعتا عن التوقيع على هذه الاتفاقية!
اتفاقيات دول الجوار المعنية بالمياه :
1-المعاهدة البريطانية الفرنسية لعام 1920: وقعت الاتفاقية بتاريخ 23/12/1920 من قبل دولة الانتداب البريطاني (العراق) والانتداب الفرنسي (سوريا) وتركيا.
2- معاهدة لوزان بين دول الحلفاء وتركيا لعام 1923: وقعت الاتفاقية بتاريخ 24 تموز1923 من قبل دولة الانتداب البريطاني (العراق) والانتداب الفرنسي (سوريا) وتركيا.
3- معاهدة حسن الجوار بين العراق وتركيا لعام 1946: تتضمن الاتفاقية بموجب المادة (6) من الاتفاقية ستة بروتوكولات، عالج الأول تنظيم جريان مياه دجلة والفرات وروافدهما، وتأكيد حق العراق في تنفيذ أية إنشاءات أو أعمال على النهرين تؤمن انسياب المياه بصورة طبيعية أو للسيطرة على الفيضانات سواء في الأراضي العراقية أو الأراضي التركيـة على أن يتحمّل العراق تكاليف إنشائها.
4- برتوكول التعاون الاقتصادي والفني بين العراق وتركيا عام 1971: للتعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، ومشكلة المياه.
5- برتوكول التعاون الفني والاقتصادي عام 1980: عقد بروتوكول التعاون الفني والاقتصادي بين العراق وتركيا، وانضمت إليه سوريا عام 1983، ويقضي بتشكيل لجنة فنية مشتركة لدراسة القضايا المتعلقة بالمياه الإقليمية.
6- محضر اجتماع اللجنة العراقية – التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني لعام 1980: وقع هذا المحضر بتاريخ 5/ 12 / 1980 في أنقرة.
7- بروتوكول التعاون الاقتصادي والفني بين سوريا وتركيا لعام 1987: اذ نصت المادة السابعة منه على ان: يعمل الجانبان مع الجانب العراقي لتوزيع مياه نهري الفرات ودجلة في اقرب وقت ممكن .
8- اتفاقية عام 1989 بين العراق و سوريا: القاضية ان تكون حصة العراق المائية بنسبة 58% من مياه نهر الفرات الممررة لسوريا على الحدود السورية – التركية.
9- التعاون الاقتصادي والفني بين العراق وتركيا بعد عام 2003.
أؤكد ما ذهب إليه صديقي د. حسن الجنابي “هناك قضيتان مهمتان يُفترض إدراكهما بخصوص القانون الدولي للمياه، فضلا عن كونه إطارا عاما ومجموعة مبادئ مقبولة من المجتمع الدولي لحل الخصومات المائية، وهما: عدم إلزامية القانون الدولي للمياه، بمعنى انه لا توجد آلية دولية للسهر على تنفيذه وتأمين عدم الإخلال بمبادئه من قبل أية دولة عضو بالأمم المتحدة. والثانية وهي فائقة الأهمية، فان الاتفاقيات الثنائية بين الدول المتشاطئة تجمّــد او تلغي مفعول القانون الدولي، لأن الأمر بالنهاية يخضع للسيادة الوطنية وحرية البلدان الأعضاء في اختيار آليات حل الخصومات مع دول الجوار التي تشترك معها بالموارد المائية، ولا يمكن إجبارها على اتخاذ مواقف مخالفة، كما ان القانون الدولي لا يطبق تلقائيا في حال الإخلال ببعض مبادئه. من جهة أخرى يجب التأكيد أن الاتفاقيات الثنائية هي ليست نصوصا واتفاقيات “مقدسة”، ولا يمكن بسببها التهرب من الالتزامات التي يفرضها القانون والاتفاقيات الدولية او الإقليمية حول المياه المشتركة، خاصة اذا تسبب أحد الأطراف بأضرار تهدد مجاميع بشرية ومناطق واسعة بأخطار كبيرة، وغالبا ما تتضمن الاتفاقيات الثنائية آليات مراجعتها حسب الضرورة”.
ولكن مع ذلك ثمة هروب من الالتزامات وأصبح التصرف الفردي من جانب واحد ديدن دول المنبع كما فعلت الولايات المتحدة مع المكسيك بشأن نهر كولورادو وما تفعله تركيا وإيران بشأن المياه المشتركة مع العراق!
* تشير تقارير محلية ودولية إلى وجود تأثيرات على انهار العراق نتيجة الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي المتوقع الأمر الذي قد يُفاقـِم مشكلة الأهوار، هل هناك احتياطات لهذا الأمر؟
– بكل تأكيد، يُعد الاحتباس الحراري والتغيّر المناخي واحداً من مسببات الفيضانات التي تجتاح بعض دول العالم وخاصة جنوب شرق آسيا، والجفاف الذي يضرب جنوب غرب آسيا يؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الايرادات المائية والحياة الاقتصادية. وفي بلدٍ نامٍ (إن صح التعبير)! مثل العراق ينبغي التخفيف والتكيّف من هذه الظاهرة، التخفيف يعالج أسباب تغيّر المناخ ويتضمن زيادة المصادر المتجددة في توليد الطاقة، ووضع أهداف لكفاءة الطاقة، وتقليل النفايات إلى الحد الأدنى وإعادة التدوير يوفران مزايا كبيرة غير مباشرة على صعيد التخفيف، وذلك من خلال حفظ الطاقة والمواد، والاستعاضة عن الماكينات القديمة في المرافق الصناعية بأحدث التكنولوجيات يمكن لها أن تفضي إلى تحقيق تخفيضات كبيرة في الانبعاثات، لكن ثمة قلق بشأن احتمال إفضاء الإجراءات المتخذة بهدف تقليل الانبعاثات، إلى تحويل الموارد بعيداً عن مجالي القضاء على الفقر والنمو الاقتصادي ـ وهذان المجالان من الأولويات الرئيسة التي تتوقف على الوصول إلى مصادر موثوقة من مصادر الطاقة.
كما أن التكيف يركز على آثار هذا التغيّر. ويشير التكيف إلى إتباع سياسات وممارسات تستهدف الاستعداد لآثار تغيّّر المناخ، حيث يتعذر اليوم تقبل تجنب هذه الآثار بالكامل ويتضمن تجميع مياه الأمطار على نطاق موسع، وخزن المياه وحفظها بطريفة أكثر فعالية عبر منظومات حصاد المياه، وكذلك تعديل مواعيد الغرس ونوعيات المحاصيل، والانتقال من الري السيحي الى الري بالتنقيط والرش.والابتعاد عن زراعة المحاصيل التي تتطلب وفرة في المياه، نحن نعيش في عالم كوني لا حدود للبيئة وتأثيراتها ولذا ينبغي أن تكون لنا وقفة وإجراءات في هذا الجانب.
* هناك اتهامات موجهة إلى وزارة الموارد المائية بشأن سوء إدارة ملف المياه وتوزيعها خاصة بشكل مناطقي في مناطق الفرات الأوسط لزراعة الــرز؟
– وزارة الموارد المائية ارتكبت خطأً جسيماً بزراعة الرز في منطقة الفرات الأوسط. وأتذكر جيدا أن الوكيل الفني لوزارة الزراعة د.مهدي القيسي أعلن في ندوة أقامتها لجنة الزراعة والمياه والأهوار البرلمانية آذار الماضي، لا موسم زراعي صيفي في العراق لهذا العام، بناءً على المعطيات المائية، لكن الجميع تفاجأ بزراعة الــرز والذرة، ما الحكمة من ذلك؟!
كان بالإمكان الاكتفاء بموسم الزراعة الشتوي لهذا العام ودعم قطاعات الاقتصاد والبيئة الأخرى التي تشكل الأهوار واحدة من روافدها المهمة، لكن هذا لم يحصل مع الأسف، ربما الأمر يعود لحسابات نتائج خاطئة واجتهادات غير مدروسة ورؤية لم تضع الأهوار في حسابها.
* تشير الإحصائيات إلى أن عدد سكان الأهوار في الخمسينيات بلغ قرابة 400 الف نسمة هاجر بعضهم والبعض الآخر رحل نتيجة الجفاف، كم بقي منهم؟.
– قبل التجفيف الاول عام 1992 كان عدد سكان الأهوار 500000-700000 نسمة أغلبهم أُجبروا على الهجرة الى شتى بقاع الأرض، الولايات المتحدة، السويد، أستراليا، إيران وغيرها من بلدان العالم، والغالبية الى غرب العراق، الفلوجة، المسيب، الصقلاوية، بلــد…الخ حيث الماء والكلأ، وفي مدينة مثل الجبايش كان عدد سكانها 60000 نسمة لم يتبقَّ منهم مع نهاية 2002 سوى 6000 نسمة، لكن المدينة استعادت سكانها حيث أرتفع الى 62000 نسمة مع نهاية عام 2014.
أما اليوم فالقصة مختلفة الى أين يرحل مربو الجاموس وصيادو الأسماك والمنطقة الغربية ملتهبة، والوضع الأمني في غاية التدهور، والطائفية تضرب أطنابها، والخطاب السياسي الجاف يعزز الفجوة الاجتماعية؟ هناك هجرة داخلية من هور الى حافات هور آخر، هناك فقر مدقع، هناك معاناة اقتصادية وصحية، لم يتبقَّ في أعماق الأهوار الوسطى سوى 30% من مربي الجاموس، وفي هور الحمار سوى 20% منهم بعد فقدان 15-20% من قطعانهم، إنها مأساة حقيقية كبيرة.
* الثروة الحيوانية إحدى ميزات الأهوار خاصة السمكية وبعض اللبائن الأخرى اضافة إلى الجاموس، اذ كان بالامكان انشاء اكبر معمل للألبان . كيف ترى واقع حال هذه الثروة وهل هناك أعداد تقريبية لما بقي؟
– الثروة الحيوانية المتمثلة بالجاموس تشكل قطاعا عريضاً في الأهوار، وترفد الأسواق بالقيمر والحليب والأجبان، لكن أود أن أشير الى أن هذا القطاع يعاني أهمالاً كبيرا ولا مبالاةً من قبل الدوائر المعنية. الجاموسة الواحدة لا تدر أكثر من 4-6 لتر من الحليب يومياً بتوفر الحشائش والأدغال في الأهوار، أما الآن فأقل من 3 لتر نتيجة الجفاف وفقدان أغلب مساحات الرعي وتدهور نوعية مياه القنوات. وعند مقارنة هذه الإنتاجية بدول أخرى كباكستان ومصر وإيران نرى أن الجاموسة هناك تنتج يوميا 24-36 لترا يوميا. وهذا بالطبع نتيجة عدم توفر الأعلاف المركّزة لمربي الجاموس من جهة، وارتفاع أسعارها من جهة أخرى، علماً أن حصة الجاموسة من مادة “النخالة” التي كانت تقدمها دوائر الزراعة تبلغ 360 كغم/شهر أما الآن فتبلغ 60 كغم/شهر، بينما حاجة الجاموسة لا تقل عن 10كغم يوميا من هذه المادة الغذائية المهمة في إنتاج الحليب وزيادة الدسم فيه. هناك معمل للحليب ومشتقاته في الجبايش يرقد ساكناً منذ 6 سنوات أُحيل على الاستثمار منذ سنة ولم يفتح أبوابه بعد!
أما الثروة السمكية فكانت ولغاية ما قبل التجفيف عام 1992 تسد 65 % من حاجة السوق العراقية، أما اليوم فقضى عليها الجفاف بنسبة 90% ولم تعد هذه الثروة المتنوعة من كطان وبُني وحمري وخشني قادرة على تلبية حتى الأسواق المحلية، فلا عجب أن ترى في أسواق الجبايش أسماكاً مجمدة تركية وإيرانية. لقد خسرنا أيضاً تنوعاً أحيائيا كبيرا، وسلسلة غذائية مهمة، وخوفي أننا سنفقد والى الأبد أن أستمر الوضع على ما هو عليه “كليب الماء ذو الفراء الناعم” لغو الأهوار العراقية الذي لم يعرفه العالم من قبل عام 1956 يوم حمل ماكسويل رضيعاً منه الى لندن ودرسه العلماء هناك وأضافوه الى سجل الأحياء المعروفة.
* بما أنها الفندق المجاني الأدفأ بالعالم بالنسبة للطيور في أوقات التكاثر ،هل ما زالت طيور العالم تحل ضيوفاً على الأهوار أم هي الأخرى هجرتها؟
– إنه تعبير جميل أخي حسين “الفندق المجاني الأدفأ في العالم” لكن وأسفي أنهم أفرغوا هذا الفندق من محتواه، حكموا عليه بالموت البطيء قطعوا أوصال سالكيه، حطموا بيئته المائية وأعلنوا إفلاسه أولئك الذين يديرون شؤونه نيابة عن الجميع وباسم الجميع! كانت الأهوار ملاذاً للطيور المهاجرة من سبيريا والدول الإسكندنافية لدفئها ووفرة غذائها وكثرة مسطحاتها المائية، قاطعة آلاف الكيلومترات لأجل ان تنعم بالدفء.
– بكل تأكيد تناقصت أعداد الطيور المهاجرة واتجهت بعض مجاميعها لبحيرات اصطناعية كالدلمج مثلاً، كما تعرضت الطيور المقيمة الى ضغط بيئي وصيد جائر كما في طير”البرهان” المسمى إقليميا بالفرفر أو السحنون الذي يُقتل منه يوميا بالمئات. أما طير “غريد البصرة” هذا الذي يفرخ في أهوارنا ويهاجر بعد ذلك الى جنوب أفريقيا فقد فقَدَ بيئةً مهمة في هور الحمار والأهوار الوسطى. لم تعد سياحة الطيور واسعة كبيرة كما كانت، ولم تعد “البركة البغدادية” موطنا لعشرات الآلاف من الطيور في فصل الشتاء، لقد خسرنا موئلاً مهماً وتنوعاً إحيائياً ثراً.
*أين دور الأمم المتحدة والمنظمات العالمية والإقليمية المختصة بالشأن البيئي من هذه الكارثة خاصة انها ليست كارثة محلية تخص العراق فحسب فقد تنعكس بشكل اكبر وأوسع خاصة في مجال تكاثر الطيور النادرة؟
– نحن جزء من أهم منظمات الأمم المتحدة العاملة في هذا المجال. فالعراق دخل إتفاقية رامسار المتعلقة بالأراضي الرطبة ابتداءً من عام 2007 ولدينا اليوم ثلاثة مواقع أهوارية مدرجة ضمن الاتفاقية، كما هناك تمثيل للعراق في منظمة حياة الطيور الدولية. إضافة الى أن ملف الأهوار مازال يناقش لغرض إدراجه ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لليونسكو.
علينا التزامات دولية تتعلق بتطبيق خطط إدارة مقرّة مسبقاً، والمحافظة على الإغمار ومتطلباته، وكذلك المشهد الطبيعي والبيئي والثقافي لأهوارنا، وعلى التنوع الأحيائي وتنميته. أما دور هذه المنظمات التخصصية فهو تنمية الطاقات البشرية ورفدنا بالمعلومات والنشريات ذات العلاقة بالموضوع، وتسهيل الحوار المشترك مع دول الجوار، والعمل على إشراكنا بالندوات والمؤتمرات وورش العمل المتعلقة بالأهوار وشؤونها. نحن بحاجة ماسة الى مزيد من العمل لوقف التداعي في بيئة الأهوار واستعادة إغمارها ثانية لكي نستعيد تنوعاً إحيائياً لا يمكن أن يبصر النور كما كان قبل سنة من الآن في أقل من خمس سنوات! إنها خسارة جسيمة لم يقدِّّر العاملون على إدارة الأهوار قيمتها، وكان يمكن تدارك ما حصل لو أننا وفرنا 30 م3/ثا من مياه الفرات لكل من الأهوار الوسطى وهور الحمار في الثمانية أشهر الماضية.

عن المدى

حاوره /حسين رشيد