الناصرية اليوم | “رحلة البحث عن وطن” يسردها رب أسرة قطعت 500 كم في خضم مؤامرتين وخيانة الجار
A- A A+

“رحلة البحث عن وطن” يسردها رب أسرة قطعت 500 كم في خضم مؤامرتين وخيانة الجار

الناصرية اليوم ::

بعد سقوط مدينة الموصل المدوي في العاشر من حزيران الماضي، ظلت مدينة تلعفر الواقعة غربي نينوى تقاوم تقدم الإرهابيين إليها، كان سكانها مسلحين ويقاتلون إلى جانب قوة صغيرة يقودها “أبو الوليد” لكنها لم تصمد طويلاً.

بمرور الأيام ومع اتساع نطاق الشائعات والحرب الإعلامية غير المسبوقة، بدأت دائرة السيطرة على تلعفر تضيق، “كنا لا نعرف الليل من النهار” يقول عيسى وهو رب أسرة من تلعفر كان قد قاتل حتى آخر رصاصة في بندقيته.

ويضيف عيسى الذي فضل أن يختار اسماً مستعارا خشية ملاحقته من بعض جيرانه “الخائنين” “بصراحة سمعنا خبر سقوط الموصل من التلفزيون. وبدأنا نستعد للمعركة لأنه بعد أسبوع تعرضنا للهجوم”.

ويقول رب الأسرة الثلاثيني “قاومنا داعش يومين تمهيداً لإخراج عوائلنا.. لو بقي أهل تلعفر كلهم يقامون لما دخلوا الينا، لكن هناك بعض المتعاونين. لا أقول بعض أقول هناك كثيرون للأسف”.

ويضيف “كان التعاون مع داعش من أهل تلعفر بمثابة خيانة. هؤلاء خانوا الخبز. قلنا ان الوضع انهار وفعلا دخل داعش، فاضطررنا في الليل بعد الساعة الواحدة او الثانية ليلا لإخراج عوائلنا، كان البعض في سيارة يهرب والباقي تركوا كل شيء وغادرا تلعفر مشيا”.

ويتابع عيسى حديثه “ذهبنا على طريق المطار بعدما قال بعض الناس (المتواطئين مع داعش) سوف تعودون الى بيوتكم في الصباح. نحن بصراحة تعرضنا لمؤامرة. قالوا ستأتي البيشمركة وسوف تعودون بأمان. كانوا يقولون إن البيشمركة ستكون متواجدة على طريق المطار”.

“عندما وصلنا إلى طريق المطار لم نجد أي قوة. لا بيشمركة ولا هم يحزنون واصحبنا مكشوفين ومعرضين لمجزرة. كنا نقول إن داعش لو هاجمنا لن يدافع عنا احد لأننا من مذهب آخر” يقول عيسى في إشارة الى انه من الطائفة الشيعية.

ويواصل حديثه لـ”شفق نيوز” عبر الهاتف “قلنا في هذه الحالة لا سبيل آخر لنا سوى سنجار. الحمدلله وصلنا إلى سنجار ليلا وفوجئنا بطريقة الاستقبال. كل سنجار احتضنتنا وأسكنتنا في البيوت معززين مكرمين”.

ويقول عيسى إن معظم سكان تلعفر من غير المتواطئين هربوا إلى سنجار في 16 تشرين الأول، مشيرا إلى أن عائلته مع إخوانه وأطفالهم كانوا بحدود 20 شخصا في وقت لا تتسع سيارتهم (البيك آب) لهذا العدد الكبير.

ويضيف “المهم في الأمر هو أردنا إخراج عوائلنا. بعد أن وصلنا لسنجار تركنا عائلاتنا وعدنا لمشارف تلعفر وقاومنا (داعش) لأسبوع تقريبا، أنا أتحدث عن المقاومة في المطار وقرب المستشفى”.

ويوضح “طبعا قبل أن نخرج من تلعفر، كنا نقاتل خارج الساتر الذي يحبط بالمدينة، لكن تلقينا أمرا (لم يحدد جهته) يقضي بالانسحاب إلى داخل الساتر، قال الأمر إن الطائرات ستقصف أي مقاتل خارج الساتر وتشتبه بأنه داعشي”.

وقال “بعدما دخلنا داخل الساتر، ادركنا بسرعة ان هذه مؤامرة اخرى وكدنا نقتل جميعا بنيران داعش.. ثم عدنا لسنجار بسرعة.. وبعدها عدنا وقاومنا لاسبوع ايضا ثم كان يوم الانسحاب النهائي في 21/10 او 22/10 لا اذكر بالضبط”.

وتحدث عيسى عن دور ابو الوليد في تلعفر حيث كانت الحكومة تعول عليه كثيرا في استعادة الموصل وليست تلعفر فحسب قائلا “ابو الوليد وكان بصحبة 20 جنديا لم يكن هناك جيش منذ انهيار الجيش بالموصل”.

واشار الى ان الشرطة الاتحادية في داخل تلعفر الى جانب الشرطة المحلية والقوات الخاصة ومقاتلي العشائر هم الذين كانوا يقاتلون داعش في المدينة حتى يوم خروجها عن سلطة الدولة رسميا.

واضاف “انسحبنا نهائيا من تلعفر وتركنا كل شيء. بقينا في سنجار اكثر من شهر وكنا نعيش على اعصابنا بسبب الشائعات والاخبار.. كنا ننتظر قدوم الجيش بفارغ الصبر والله. بعدها ادركنا ان كل ذلك كذب فلم يأت الجيش لانه انهار”.

يقول عيسى ان بقاءهم في سنجار وفي ظل الانهيارات الامنية التي تلت سقوط الموصل يشكل خطرا على حياتهم وتوقعوا ان يدخل الارهابيون في أي لحظة الى قضاء سنجار معقل الايزيديين في العراق.

ويتابع “اضطررنا لترك سنجار وانتقلنا إلى ربيعة ثم إلى دهوك، بعدها ذهبنا إلى سد الموصل ثم سيطرة كلك، ثم منها انتقلنا إلى كركوك فالسليمانية وبقينا ليلة صعبة جدا في الجبل قرب دربنديخان. كان أطفالي يبكون كثيرا”.

“في اليوم التالي انتقلنا إلى مندلي وفي نهاية المطاف وصلنا إلى الكوت” يقول عيسى الذي عيّن معلما في تلعفر قبل عام من سقوطها.

ويضيف عيسى “رحلتنا في الوطن كانت شاقة، لم نجد الوطن المناسب. راح كل شيء في تلعفر. بيتنا الآن دخل فيه الدواعش واسكنوا فيه عائلات تلعفرية بعدما سلبوا ونهبوا كل الأغراض والحلال”.

ويختم حديثه قائلا شأنه شأن الكثيرين “مصيرنا مجهول لا نعرف ماذا نفعل.. قطعنا آلاف الأمتار لكي نعيش بأمان.. لكننا مرضنا من القهر”.

عن الشفق نيوز